عبد الله بن الرحمن الدارمي

59

مسند الدارمي ( سنن الدارمي ) ( ط دارالمغني )

فيجعلها للنفس ريا وغذاء ، يدخل في كيانها ويصبح عنصرا من عناصر حياتها . فإذا كان موضوع الإيمان الحقيقة الكبرى ، والمثل الأعلى ، فهنالك تتحول الفكرة قوة دافعة ، فعالة ، خلاقة ، ولا يقف في سبيلها شيء في الكون إلا استهانت به ، أو تبلغ هدفها » « 1 » . « فالإيمان تصديق القلب باللّه وبرسله التصديق الذي لا يرد عليه شك ولا ارتياب ، التصديق المطمئن ، الثابت ، المستيقن ، الذي لا يتزعزع ولا يضطرب ، ولا تهجس فيه الهواجس ، ولا يتلجلج فيه القلب والشعور . والذي ينبثق منه الجهاد بالمال والنفس في سبيل اللّه . فالقلب متى تذوق حلاوة هذا الإيمان ، واطمأن إليه ، وثبت عليه ، لا بد مندفع لتحقيق حقيقته في خارج القلب ، في واقع الحياة ، في دنيا الناس . يريد أن يوحّد بين ما يستشعره في باطنه من حقيقة الإيمان ، وما يحيط به في ظاهره من مجريات الأمور وواقع الحياة ، ولا يطيق الصبر على المفارقة بين الصورة الإيمانية التي في حسّه والصورة الواقعية من حوله ، لأن هذه المفارقة تؤذيه وتقدمه في كل لحظة ، ومن هنا هذا الانطلاق إلى الجهاد في سبيل اللّه بالمال والنفس ، فهو انطلاق ذاتي من نفس المؤمن ، يريد أن يحقق الصورة الوضيئة التي في قلبه ، ليراها ممثلة في واقع الحياة والناس . والخصومة بين المؤمن وبين الحياة الجاهلية من حوله خصومة ذاتية ناشئة من عدم استطاعته حياة مزدوجة بين تصوره الإيماني وواقعه العملي ، وعدم استطاعته كذلك التنازل عن تصوره الإيماني الكامل ، الجميل ،

--> ( 1 ) الدين لمحمد عبد اللَّه دراز ص ( 70 ) .